لقاء\ خدنگ

شـــدن الطــائي

حدثني عن نفسك قليلا

حسنا، ربما الحدیث عن أمور ثانیة أهم بکثیر من الحدیث عن أمور شخصیة ومع ذلک ربما یعتقد البعض أنە بالأمر ألهین عندما یتحدث المرء عن نفسە لاسیما أن کان کاتبا او روائیا. مسألة معرفة الذات هي رغبة أزلیة لدی کل شخص عاقل کما نوە سقراط، فهویتنا الأنسانیة مازالت سؤال یستفز أرثنا وأنکسارات أزمنتنا فکیف الحال مع الهویات  الاخری التي أنصهرت في أکثر من بوتقة، و مع ذلک سأحاول ان اقدم نفسي في اسطر قلیلة…  صبري سلیڤاني کاتب و روائي من أقلیم کردستان العراق، ولدت في العام ١٩٧٢ وکما هو مدون في هویتي المدنیة الأول من تموز، الا انە غیر  صحیح لأن الأول من تموز مجرد أرقام لا تعني لي الکثیر. تصوري، کاتب روائي لا یعرف تاریخ میلادە الصحیح وذلک بسبب البنیة  الاجتماعیة التي نشأ فیها والاضطهاد الدائم الذي تعرضت لە العوائل الکردیة في السبعینات من القرن الماضي. رحم اللە والدي، کان یحدثني عن تاریخ میلادي، تارة یقول لي لقد ولدت في اواخر الصیف و تارة اخری یقول عندما مات فلان شخص في القریة!

هکذا تعرفنا علی تاریخنا و احداثها، من خلال سرد أناس أمیین لم یتمکنوا من کتابة یوم میلاد فلذات اکبادهم.

کبرت و ترعرت في قضاء سمیل التي عانت الکثیر من سیاسة التعریب في الثمانینات و انهیت دراستي حتی المتوسطة في نفس القضاء، بعدها توجهت الی مرکز محافظة دهوک لأکمال دراستي في معهد أعداد المعلین سنة ١٩٨٧ و تخرجت سنة ١٩٩٢. بعد مرور سنة علی الانتفاضة الشعبیة التي عمت اغلب محافظات العراق، دخلت المعترک السیاسي من خلال الفکر الیساري و بعد مرور أشهر قلیلة اصبحت کادرا متقدما ونلت شرف قیادة الحزب في قضاء سمیل عن طریق الأنتخابات، لکن بسبب الظروف السیاسیة والاقتتال الاخوي بین الاحزاب الکردیة  آنذاک، اضطررت الی ترک البلد و هاجرت ألی أوروبا. مکثت في هولندا کلاجيء سیاسی لغایة العام ٢٠٠٦ و بعدها عدت الی الوطن کي ابدأ التدریس من جدید. نظرا للخلفیة السیاسیة و أیماني بنظریة سقراط و أفلاطون عن الحکم السیاسي، وبأن السیاسة هي علم و فن و فلسفة، دخلت کلیة القانون والسیاسة في العام ٢٠١٣ و تمکنت من التفوق بدرجة جید جدا و حصلت علی البکالوریوس في العلاقات الدولیة.

کم رواية الى الان كتبت؟وهل ترجمت الى العربية او لغات أخرى

في مجال الروایة، بدأت المشوار في في منتصف العقد الثاني من العمر وکانت اول اعمالي الروائیة “دجلة، حین تترک اسماکها ظمآنە” والتي کتبت بالاحرف اللاتینية وصدرت من قبل وزارة الثقافة في السلیمانیة ٢٠٠٤، بعدها کتبت روایة “عشرون سنة وأمسیة” والتي صدرت عن اتحاد الادباء الکرد في دهوک ٢٠٠٥، ومن ثم روایة “مریم، امرأة من زمن آخر” التي صدرت في العام ٢٠٠٧ والتي طبع منها لحد ألان خمسة طبعات في اللغات الکردیة والعربیة والانجلیزیة وکذلک اعتمدت کمنهج تعلیمي في کلیة الاداب في جامعة دهوک و جامعة زاخو، جدیر بالذکر ان روایة مریم طبعت في قصر الثقافة في القاهرة، وکذلک في لندن من خلال دار مومنت للنشر. وفي العام ٢٠٠٩ کتبت روایة “أسفار السلیفي، البحث عن النصف الاخر” والتي صدرت بعد عام من کتابتها. لي کتب اخری نقدیة وادبیة منها “عشرة احلام” و “من البدایة الی البدایة” و خریف الکلمات” وصدرت کلها قبل ٢٠١٠ بعدها تفرغت لدراسة العقل الکردي من خلال مقارنتە بالعقل العربي والغربي و أسس تکوینە وأهم أشکالیاتە، قدمت کل ذلک في کتاب بعنوان “العقل اکردي –  نقد العقل العملي” والذي صدر في عام ٢٠١٧ في دهوک.

أما الان فقد انتهیت من کتابة روایة جدیدة جاهزة للطبع، أتناول فیها شخصیة الفرد الکردستاني و هویتە واهم مقومات بناء الذات الکردیة و تساؤلات جریئة عن تاریخە السیاسي والاجتماعي.

 ماهي اهم التحديات التي تواجه الرواية الكردية؟

المسألة لیست تحدیات الروایة بل تحدیات الوجود الکردي في هذە المنطقة الموزایکیة والخلافات و الأختلافات البنیوية للمجتمعات في مفهوم الکاتب. الروایة هي بمثابة رؤی بانوراماية لکل ما هو موجود في الحیاة الزمکانیة. نحن في هذە الجغرافیا ندعي بوجود اشیاء کثیرة دون ان نعرفها او نلامسها من قریب، نمنح لکل شي وجودا انطولوجیا لکن ننسی أننا مغیبون و منسیون في هذا العالم الذي اصبح بمثابة حي شعبي في روایات نجیب محفوظ یعرف اهالیە بعضهم البعض، فکیف للمنسي والمغیب ان یقرر؟ لدي ایمان عمیق بأن الشعر هو دیوان العرب والروایة هي عنوان الغرب اما بالنسبة لنا نحن الکرد، یجدر بنا ان نتسائل این نحن من الروایة؟

أن کنت تقصدین الروایة ککتابات علی ورق، نعم هناک محاولات منذ کتابة اول روایة “الراعي الکردي” للکاتب عرب شمو في ثلاثینیات القرن الماضي، لکن ان کنت تقصدین الروایة کفن و ظاهرة، اعتقد أنها غیر موجودە لیس فقط عندنا نحن الکرد بل في عموم المنطقة. الروایة هي أبنة المدینة و نحن مجتمعات قرویة نعیش کالبدوا في مباني حدیثة، المفروض ان ننصهر في المدن و نکتسب خبرات مدنیة، لکن الذي حدث هو اننا تسلحنا بکل ما هو غیر مدني و غزونا المدن الی ان اصبحت قری کبیرة. الروایة لا تلد في هکذا مجتمعات لأن الشرط الاساسي للروایة هو الحوار والموضوع ووجود الآخر. الروایة أن تعترف بالآخر و تحترم کل خصوصیاتە و حقوقە و حریاتە، ان تتیقن بأن المعارضة شرط أساسي من شروط الحکم الرشید، ان تقر مع نفسک أنک تنتمي الی دولة المواطنة، أن تجل القانون و سیادتە اي کنت، وأولا واخیرا أن تحافظ علی الذات الفردیة . فهل هناک اي من هذە الجزئیات في هذە الجغرافیا الملعونة؟ لا طبعا. هناک آلاف الکتب المطبوعة بأسم الروایة والتي اعتبرها انا مجرد قصص تعود لاشخاص لیست لهم ایة علاقة بکل ما ذکرتە. هناک أسهال شعري في عموم المنطقة وأنا اعتبر ذلک عدلا لأن هذە المجتمعات مازالت نامیة و تتصارع من اجل البقاء، بکلمة اخری مازالت مجتمعات بشریة تنتج من الأحاسیس و المشاعر ملحمات و اساطیر و تروهات، لم تصل بعد الی مرحلة الانسانیة والروایة هي حالة و انتاج انساني ولیس بشري و شتان بین هذا و ذاک.

كيف يستفيد الروائي من التراث الخاص والعام لبلورة رؤية تحدد مسار نصه؟

نحن لدینا اشکالیة في مسألة التراث، فلم یتبقی منە الا قشور تتحکم بحیاتنا العامة لاسیما بعد المد الواسع للحداثة و تأثیراتها علی بنی المجتمع. برأي لیس علی الروائي الأستفادة من التراث، بل خلق تراث جدید یواکب تطور الحیاة والانسان والمتغیرات الحدیثة في شتی المجالات. السوال الأهم، هل جئنا کي نخدم التراث أم علینا ان نستغل التراث لتصحیح مسارات الحیاة؟ للأسف نحن نعیش وسط انغلاقات جمة، بدأ من التراث حتی النص. لکل شعب تراث و تاریخ و ان شئنا ان نستفید منە، علینا أن ندرسە بشکل هرمینوطیقي و نستنبط منە احکام جدیدة تساعد عملیة الخلق والابداع.

 كيف ترى الرواية الكردية قبل وبعد ٢٠٠٣ ؟

قد نجد بضائع بأسم الدول والشعوب، مثلا هناک قمح ایطالي، شاي سیلاني و سجادة فارسیة، لکن لم نسمع بأن هناک روایة ایطالیة او سیلانیة. هذە تصانیف سطحیة ینتجها الفکر الضحل، لایزال اسیرا لایدیولوجیات قومیة و عقائدیة. برأي، لیست هناک روایة کردیة او عربیة او ترکیة، بل هناک کتاب اکراد و عرب و اتراک لدیهم تجارب روائیة ناجحة و تستحق الثناء. الروایة هي حالة أنسانیة و نحن مجرد مجتمعات بشریة کما ذکرت سابقا، الروایة لغة مدنیة و نحن عبارة عن ثکنات و قلاع عسکریة، الروایة هي ظاهرة اجتماعیة تاریخیة ونحن مجرد قبائل لیست لها علاقة بالقراءة لاسیما قراءة التاریخ، الروایة هي الحیاة والمدینة ونحن مخلوقات مازلنا نعیش حیاة الغابة. أن کنت تقصدین الکتابات الورقیة، نعم فهناک تطور ملحوظ بعد العام ٢٠٠٣ ولکن علی حساب الجودة للأسف. أنا اعتقد بأن هناک خلط في المفاهیم و لذلک یستحسن ان نعید قراءتنا لمفاهیم کثیرة ومنها الروایة. الروایة تعني التنقیط والتفاصیل المهمة في الحیاة، تعني الحب والسلام و الرقي، فهل هناک شي من هذا القبیل في مجتمعاتنا، اذا فمن أین تأتي جحافل الظلام والأرهاب والتخلف؟ یبدوا اننا نعیش الزمن الأصعب، أنا اسمیە زمن الانتاج الرديء من کل النواحي والعمل الروائي لیس بأستثناء.

ماذا ينقصك كروائي؟

أنا اکتب الروایة للأنسان ولیس للبشر و ینقصني ما ینقص ذاک الانسان في هذە المجتمعات التي اراها مجرد حطامیات للأسف.

 من أين تخلق الشخصية الروائية عندك؟

یجب ان نتحرر من الفکرة السائدة بأن الکاتب هو رب النص او سیدە، بنظري أن الکاتب هو خادم للنص، یهندس البناء الروائي حسب خطط و آلیات هندسکتابیة و لذلک، أنا فقط اتعرف علی الشخصیة من خلال سفر الکتابة. مثلا في العمل الروائي الاخیر والذي انتهیت من بناءە للتو، أنتظرت “آزاد” المهاجر کي یستمر في مشوارە و یستقر في احدی الدول الأسکندنافیة، حیث کان مقیما في موسکو، تفاجئت بأنە یصر علی العودة الی کردستان بعد لقاء مع شخصیة اخری في الروایة و هذا کان تحدیا لي، و في النهایة احترمت قرارە و بناءا علی ذلک تغیرت البنیة الفوقیة للروایة و اتخذت قصتە منحی آخر لم تکن في الحسبان. بکلمة اخری، أنا لا آتي بشي جدید من العدم لکن اکتشفە في الواقع حتی وان لم نرە.

 

 اذا ما فكرت يوما في كتابة سيرتك الذاتية هل ستكتب كل شيء عنك (المحرج الصعب المحزن) ام سكتبت شيء وتترك شيئا اخر؟

سأکتب کل شي یستحق القراءة فقط.

الا ترى ان الرواية اصبحت كالموضة فصار كل من هب ودب يكتب رواية ويطلق على نفسه روائي؟

اجل، الأمر کذلک، لکن لیس فقط في مجال الروایة، بل حتی في السیاسة والفن و الکتابة بصورة عامة و لذلک قلت لک سابقا بأننا نعیش في زمن الأنتاج الرديء.

اخر اعمالك؟

باب الدنیا، عنوان الروایة الاخیرة والتي انهیتها قبل فترة قصیرة و لتکن مفاجئة للقراء بعد انقطاع دام اکثر من عقد من الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *