بطبيعة الحال  كما هو معروف قصائد الحداثة كُتبت بطريقة مغايرة من حيث الشكل و المضمون مقارنة بالقصائد التي كُتبت في مراحل سابقة, إضافة إلى تقنيات فنية نجدها في القصيدة الحديثة تخلو منها أساليب القصائد الأخرى.

 والشاعر هنا وحسب واقعه المعاش و خلفيته الثقافية يحاول إثارة مواضيع جديدة و يوجّهها للقارئ, ولهذا السبب اخترتُ قصيدة (دولة البؤساء) للشاعر كمال سليفاني كأنموذج لأنّه استخدم تقنيةً جديدةً في هذه القصيدة من خلال تجسيد لوحة فنية للفنان (رشيد حسو), حيث أنّه أحدث نقلة جديدة في القصيدة.  ففي المراحل السابقة  لم يكن هذا الأسلوب موجودُ في القصائد الكردية ك ( الكلاسيكية, الرومانسية, الواقعية و الشعر المعاصر).

تحليل اللوحة الفنية  من حيث مكوناتها:

هناك ثلاثة محاور اساسية وكل محور مستقل عن الآخر بحد ذاته و يعطي معنى خاصاً.

المحور الأول: يتألف هذا المحور من ثلاثة ألوان ممزوجة مع بعضها البعض (الأخضر, والأسود و الأحمر) و قد أعطى الشاعر هذا المزيج لوناً قاتماً و مخفياّ للوحة وأيّ انسان يستطيع أن يرى في هذه اللوحة السوداوية و التشآؤمية. بالإضافة إلى الألوان القاتمة نجد يداً تحاول أن تُحرر نفسها من الأغلال و القيود غير المجدية. أستطيع أن أقول أنّ مسألة التحرر في هذا المحور بعيدة المرام, وذلك بسبب الضوابط و العادات و التقاليد المتشددة المفروضة عليهم مع محاولات هزيلة للخلاص منها, في هذا المحور نستطيع أن ندمج مع هذه اللوحة قصيدة ( دولة البؤساء) و نربطهما مع بعضهما البعض لكي يكمّل كلّ منهما الآخر. حيث حاول الشاعر أن يضع أصابعه على المشكلة في هذا المحور:

          الانسان

          الجدران

          الأمنيات

         بلأساس  متصدّعة

          شوارع خالية وأفكار منطوية

          ضائعون على مفترق الطرقات

          راضيين بحلقات كاذبة.

التشاؤم وعثرة الحظ تظهر في هذا المقطع الشعري, ولأنّ الانسان هو مرجع لكلّ شيء و يستطيع أن يقوم بالتغيير و الابتكار, إلّا أنّ الظاهر في هذا المقطع من القصيدة أنّ الانسان ضائع و مشتت الفكر ولا يرى أيّ تغيير أظهره الشاعر مثل أي كائن ضعيف رازح لأي شيء موجود دون أن يقوم بأي محاولة للتغيير, وفي هذه الحالة لايمكن إزاحة هذه القيود و القوانين  الجائرة المتشددة في حياة الانسان دون تفكير أو محاولة من الانسان.

المحور الثاني: يتألف المحور الثاني من عدة ألوان فاتحة حيث يظهر فيه مشاعر الفرح و التفاؤل لدى الانسان (الأزرق الفاتح, الأصفر, الأخضر و البرتقالي) ومن بين هذه الألوان نشاهد رسوماتٍ لعدة نساء ظاهرات وهن يرقصن بتفاؤل و بقلبٍ مفعم بالحياة و يزرعن الفرح لدى الانسان.

 والغرض من رسم امرأة في اللوحة هو إيصال معنى الطهر واستمرارية الحياة والتفاؤل, وايضاً نجد في هذا المحور أنّ حرية الخبر و العدالة و المساواة موجودة لدى الانسان. في هذا المقطع من القصيدة يظهر حلّ المشكلة, نستطيع بهذه الطريقة ربط فكرة هذه اللوحة مع هذا المقطع من القصيدة:

           تعالي و ارفعي رايتك

          عقارب الساعة ترجع الى الوراء

          قانون (من أين لك هذا) المحققة

          قرب عتبة ابواب الفقر

          ازرعي الورود و القمح

          زيني من جديد الشهداء بالأعلام المزركشة

          إن استطعت

          أحي الوطن اليائس من جديد.

في هذا المقطع يتحدث الشاعر عن الحرية و المساواة بأسلوب مباشر عندما أدخل جملة عربية و جسّدها ضمن هذا المقطع, الفكرة موجودة بالغة الكردية (من أين لك هذا) و بنفس المعنى إلا أنّه استخدم الجملة العربية بقوله نستطيع ان نقوم بتجاوزعندما نكتب الشعر المساواة ليست ثابتة, لذلك يتساءل الشاعر عن المثل و المساواة و الطهر و يتمناها لجميع البشر.

المحور الثالث: في هذا المحور نشاهد مجموعة من الألوان الفرحة و هي ممتزجة مع بعضها البعض ( الأصفر و الأخضر و الأزرق السمائي)

نلاحظ رسم يدٍ ملونةٍ تعطي الفرح, و تحاول بطريقة ما الحصول على الحرية و العدالة, وأن تحرّر نفسها من القوانين و العادات القديمة المفروضة, لذلك نرى أنّ هذا المحور يحاول أن يُجسّد المعاني الفكرية  للتحرر و العدالة. مع محاولة لإظهار مشاعر الفرح والسخاء من أجل حلّ جميع المشاكل الظاهرة. و ربط اللوحة مع القصيدة يأتي على الشكل التالي:

          منذ زمن بعيد

         وأنا بانتظار الوطن

          و أعرف أنني:

          لم أرى دولة من دون رئيس

          لم أرى كرسيّاً من دون رئيس

          لم أرى كرسيّاً من دون دماء

          لم أرى دماءً أرخص من دمائي

حاول الشاعر في هذا المقطع الشعري أن يكسر حالة الانتظار و يجلب التحرر و ذلك باستخدامه رموزاً مختلفة, لكل رمز خصوصيته و معناه الخاص و رمز الكرسي موجودة منذ القدم. كم من الأشخاص قتلوا و ضحّوا بدمائهم من أجل الاحتفاظ بكرسي العرش. لهذا السبب كلّ شخص عندما يحصل على السلطة عليه أن يكون عادلاً و يمنح حياة سعيدة لشعبه لأنّ الانسان له مكانته ويجب ألّا يكون قيمة أي شيء اغلى من الانسان. أيضاً لا يجوز أن يُهدر دماء و تعب الانسان من دون ثمن. وهنا يتحدث الشاعر عن المواطن و الأشياء الرئيسية, و هذا جليّ في المقطع الشعري وإنّ الانسان يحاول باستمرار أن يواكب حركة التحرر من أجل ذاته ومن أجل انسانيته و يحرر نفسه من أعباء الظلم و عدم الإنتظام . و هذا المقطع يرتبط مباشرة مع تلك اللوحة.

 كتابة دلير كمال: جامعة زاخو- قسم اللغة الكردية

ترجمة: قيرين مصطفى عجو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *